Skip to main content

الشَّاعِرَة خٌوسيفينَا عَطّار .. جموح العاطفة ورماد كل ما هو ضائع. . بقلم: د. محمّد محمّد خطّابي


الشَّاعِرَة خٌوسيفينَا عَطّار .. جموح العاطفة ورماد كل ما هو ضائع ..

 

لم تعش الشّاعرة الإسبانية الرقيقة "خوسيفينا كالدرون عطّار" خلال طفولتها حياةَ طفلةٍ عادية ، كما أنها ليست إمرأة عادية، ذلك أنّ حياتها كانت مطبوعة بطابع خاص، وهوالمعاناة، والآلام، والمكابدة. وقد واجهت منذ طفولتها سلسلةً من الصّراعات الصغيرة والكبيرة لتصبح سيّدة متعدّدة المواهب والإهتمامات، وعلى الرّغم من المحن والآلام التي عصفت بها منذ صِغَرها ، فإنّها ظلت دائماً تتحلّى بالشجاعة، والصّبر، والجَلَد، ومعانقة الآمال.

 

 


 

وُلدت خوسيفينا عطار في مدينة مدريد وأمضت طفولتها  في" بيرك بلاج" بفرنسا، وهي تعالَج بسبب إصابتها في سنّ مبكّرة بمرضٍ في عظام وركها. هناك عرفت خوسيفينا عطّار الآلامَ المبرحةَ في أعوامها الأولي بين القعود والعمليات الجراحية، حيث تظهر هذه المرحلة من حياتها في شعرها مبهمة، غامضة، كما هو الشأن في قصيدتها " قاعة إنتظار" المدرجة في ذيل هذا المقال كنموذج لشِعرها الجيّاش وهي من ترجمة كاتب هذه السّطور عن الإسبانية .

وقد أظهرت الشّاعرةُ منذ ذلك الوقت إرادة خارقة لمقاومة المرض، ومواجهة المِحن ، وبدأت منذ ذلك الأوان دراسة بعض الفنون الموسيقية مثل العزف على الكمان. وطفقت تخطو أولى الخطوات في ميدان الإبداع الشعري، مخالفة بذلك رأىَ الأطبّاء الذين أشرفوا على علاجها، وعندما كانت في سنّ لم يتجاوز بعد الحادية عشرة من عمرها، كانت الكاتبة الفرنسية المعروفة "مدام كوليت" تقدّم في مسرح الكوميديا الفرنسية بباريس بعض قصائدها التي تنشرها في كبريات المجلات الشعرية الفرنسية المتخصّصة في ذلك الوقت، وقد أقامت الشّاعرة خوسيفينا عطّار في تلك الفترة صداقة متينة مع الأديب الفرنسي "كلود كوكتو". وكان لنخبة من الأدباء والموسيقيّين تأثير بليغ على خوسيفينا في مختلف مراحل حياتها الإبداعية، من الإسبان خوان رامون خيمينيث الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1956، والشّاعران الأخوان أنطونيو، ومانويل ماتشادو، والشّاعر الاندلسي الذائع الصّيت فيديريكو غارسيا لوركا ، والشّاعر رفائيل ألبرتي، وميغيل إيرنانديث وخيراردو دييغو إلخ. ومن الموسيقييّن فايا وتورينا حيث أسهمت معهما في وضع بعض الأعمال الموسيقية الكبرى المعروفة مثل "عرائس من وحي الأندلس" وسواها من الأعمال الإبداعية، والمقطوعات الموسيقية الأخرى. كما ربطت خوسيفينا عطّار كذلك صلات وطيدة مع مجموعة من الأدباء الفرنسيّين منهم فرانسوَا مُورياك، والفيلسوف الوجودي جان بُول سارتر، ومونترلان وبشكل خاص مع الأديب الفرنسي أندريه مالرُو.

 

إهتمامات خوسيفينا عطّار

لم تقتصر إهتمامات خوسيفينا على الموسيقى والشّعر وحسب، بل تعدّتهما إلى أغراض أخرى ككتابة القصّة والمسرح ، والترجمة، نظراً لإجادتها التامّة للغة الفرنسية. وقد برعت خوسيفينا كمحاضرة مقتدرة، وكانت تتمتّع بقدرة هائلة على الإستحواذ على قلوب جمهورها الذى ينتشر في مختلف القاعات الثقافية بمدن أوروبا وأميركا وجامعاتهما. من أشهر أعمالها كتابها الشعري " نار وصيّاح وقمر" الذى تكرّم فيه ثلّة من الأدباء الإسبان الكبار هذا فضلاً عن ديوانها الشّعري " ندبة فى الرّمال " أو "أثر الجُرح في الرّمل".وقد أبدعت خوسيفينا عطّار في ميدان الخلق الموسيقي كذلك، حيث لا تقلّ عطاءاتها في هذا المجال شأنا عن إبداعاتها الأدبية والشّعرية خاصّة في الأغنية الحديثة ، فقد إشتهرت ككاتبة كلمات شعرية رقيقة خلال الخمسينات وبداية الستّينات بباريس، حيث عرفت طريقها إلى الشّهرة بواسطة أصوات العملاقين موريس شُوفالييه، وإديت بياف، وكذا شارل أزنافور. وقد حازت على نجاحات باهرة في عدّة مهرجانات، إلاّ أنّ هذا النوع الفنّي كان يعتبر جانبا ثانوياً لديها. يقوم عالم خوسيفينا عطّار الموسيقي على محور أساسي، وهو أنّ الموسيقى للغناء والرّقص، وقد سبق أن قدّمت نماذج من أعمالها الموسيقية في فنّ الباليه في كلّ من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وأوروبا.

                                                                                                 

جُرح فى الرّمل .. جُرح فى القلب

يتضمّن ديوانُ خوسيفينا عطّار الشّهير-  ندبة فى الرّمال - Cicatriz  en la arena  (أو "جُرح فى الرّمل")  مجموعة من قصائدها التي تعتبر منتقيات تعكس مختلف مراحل حياتها منذ طفولتها المعذبة ،وشبابها الحائر المعنّى،وهو في الواقع ثلاثة دواوين  في ديوان واحد تحت العناوين التالية " المدينة العتيقة" وتقصد بها الحاضرة التي تألقت خلال الوجود العربي فى إسبانيا ، وهي مدينة طليطلة التي تهيم بها الشّاعرة وبتاريخها الزّاهر، خاصّة وأنها كانت تملك منزلاً ذا ملامح عربية بها. والديوان الثاني بعنوان "وَطَنُ إسمك" والثالث "خطّ السّاعات" . ويشير الناقد الاسباني الذي كتب مقدمة هذا الديوان خوستو خورخي بادرون ، أنّ الشّاعرة خوسيفينا عطّار تتوفّر على طاقات إبداعية هائلة، وقدإسترعت أشعارها إهتمام شاعر كبير وهو فيديريكو غارسيا لوركا الذي كان أعجب بها وأطلق عليها منذ الصّغر" ذات العكازين" أو  "الصبيّة ذات العكّازين " إشارة الى عاهة العرج التي لازمتها منذ نعومة أظفارها . يقول خوستو خورخي بادرون: "الحبّ، والحقيقة ، والرّغبة ،ومرور الزمن، والرّماد الذي يخلفه كل ما هو ضائع، والبحث المضني والبطيء عن السعادة والحبّ، جموح العاطفة في سديم الذاكرة ، الغربة نحو الداخل، العزلة، المعاناة، حضور شبح الموت، النّسيان إلخ كلّ تلك المعاني الحزينة، والعميقة موجودة بكثافة في شعر خوسيفينا عطار. ويصف النّاقد مضمونها الشعري بأنّه ذاكرة تساعدنا – بواسطة سحر الكلمة الشّعرية - على إنقاذ تلك اللحظات الحيّة التي تحتفظ بها ذاكرتنا، ذلك أنّ  الذكرى في النهاية تعني المحبّة ".

 

خوسيفينا عطّار والأندلس

تجدر الإشارة أنّ الشّاعرة خوسيفينا عطّار كانت صاحبة فكرة إحياء تقليد أدبي عريق في إسبانيا ،خاصّة خلال جيل 1927. حيث عرف الخلق الأدبي والإبداع الشّعري في إسبانيا إزدهاراً كبيراً، واشتهرت من ثمّ أسماء أدبية وشعرية لامعة مثل " بيثينطي الكسندري" الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1977 . و"دامسو ألونسو" . و"خيراردو دييغو" . و"رفائيل البرتي" وسواهم. ويتمثّل هذا التقليد الحميد في إقامة لقاء أسبوعي للشّعر تحت عنوان "أربعاء الشعر" حيث كانت بلدية  مدينة مدريد قد وضعت رهن إشارتها قاعة كبرى خاصّة لهذه الغاية، وتقديم مجموعة من الشّعراء من مختلف الأعمار والاتّجاهات، ولقد كان لي شرف المشاركة فيه بتقديم باقة من أشعارها كنت قد نقلتها إلى اللغة العربيّة لاوّل مرّة ، وكانت تنتابها سعادة غامرة من جرّاء ذلك، وكانت بادرة صالونها الأدبي، والثقافي قد حازت نجاحا كبيرا. وكانت خوسيفينا تعزو الإقبال المنقطع النظير الذي كانت تعرفه هذه اللقاءات إلي إستمرارية وجود الشّعر في ما بيننا، وحضوره الدائم علي الرّغم من زحف عجلات التكنولوجيا والتقدّم المادّي الرّهيب. وتجدر الاشارة أنّ المواضيع العربية والأندلسية كان لها نصيب وافر في هذه اللقاءات. خاصّة وهي والهة بالحضارة العربية والتراث العلمي والفكري والأدبي والعمراني الذي خلفه المجتمع الذي كانت تتألف منه الشرائح السكانية في الأندلس على إختلاف أعراقهم وأجناسهم إبّان الوجود العربي بها، حيث سادت حضارة راقية أشعّت علي العالم المعروف في ذلك الوقت، في زمنٍ كانت أوربّا لمّا تزلْ تائهةً في دياجي التأخّر والظلام . كانت خوسيفينا عطّار عندما تتحدّث عن مثل هذه المواضيع تغرورقُ عيناها بالدّموع، ويعتريها شعور غريب لا تعرف كيف تعبّر عنه، كما كانت تصرّح لي بذلك كلما إلتقيتُ بها في مختلف المناسبات خلال عملي بمدريد.  وصالون خوسيفينا الأدبي يذكّرنا بالضرورة بصالون الأديبة اللبنانية - الفلسطينية الشهيرة ميّ زيادة الذي كان يعقد كل يوم الثلاثاء بمنزلها بالقاهرة، حيث كان يؤمّه عمالقة الفكر وصفوة الأدباء والشّعراء في مصر أمثال لطفي السيّد، وعبّاس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني ، وطه حسين ، ومصطفى صادق الرّافعي، ومطران، وشوقي إلخ ، ويحكى أنّ العقّاد رحمه الله عندما كان يسأل أصدقاءه وخلاّنه عن يومه فيقال له على سبيل المثال الأحد أو الإثنين  ومن فرط إعجابه ورغبته فى رؤية الأديبة ميّ زيادة  كان يقول" ربّاه ما أبعدَ يوم الثلاثاء.."! وهو اليوم  الذي كانت تعقد فيه ندوة ميّ . وقال فيها إسماعيل صبري باشا كذلك: إنْ لم أمتّع بميّ ناظريّ غداً / أنكرتُ صُبحَك يا يومَ الثلاثاء.

وعلى الرّغم من جسم خوسيفينا عطّار النحيل، وعاهتها الصحيّة المستدامة, فإنّها كانت لا يمكن أن يَحُول الحَوْل عليها دون أن تقوم بزيارة لبعض المآثر العمرانية سواء في طليطلة، أو غرناطة، أو إشبيلية، أو قرطبة وسواها من المعاقل العربية المنتشرة في مختلف المدن والأصقاع الاسبانية.

توفيت خوسيفينا عام 2010 عن سن 83 سنة . في ما يلي نموذج أنقله إلى العربيّة من ديوانها "أثر جُرح الرّمل" الذي يجيش عاطفة، وشفافية، وإحساساً  مُرهفاً، عميقاً بمأساتها، ومكابدتها:

 

قاعة إنتظار

                         

إلى الشّاعرالتشيلي الكبير بَابْلُو نِيرُودَا

...ووقع ذلك،حضرتُ للفحص                                                           

ومرّةً أخرى أشعرُ بالخَوْفِ يا بابلو

في قاعةِ الإنتظار                                                                         

في هذا المُستشفى الحالك

الذي تُشَمُّ فيه رائحةُ الألم                                                               

ومع نفاذ صبري،أخلد للصّمت

وفي قاعتي أتذكرّ،مَصْرَفاً غيرَ شخصي                                               

أحياناً يُقدِّم سُلفاً

وأنا اليومَ يا بابلو                                                                         

في حاجةٍ إلى سلفةٍ جديدةٍ لصِحَّتي المنهوكة

إنّني أعرفُ مُسبّقا ماذا سيطلبون منّي                                                

سوابقَ مَرَضيَّة ،وتواريخَ جراحيّة

لِجِسمي النّحيف المُتهالك الذي أعيش بداخله                                      

سيعيدون لي أوراقي

فى صَمْتٍ محايد مُعقّم ومَجهول                                                      

وتمرّ الدقائقُ أو رُبّما  بضعُ ساعاتٍ

وأنا غارقةٌ في التفاؤل- المتشائم                                                     

بينما أنا هَلِعَةٌ ، وَحِيدَةٌ، مُتَحَجِّرَة

*****

فجأةً يقع ديوانُك في يديّ

"عشرون قصيدة حبّ"،بدّدتْ مَخاوفى وَوِحدتي                                       

أوقفتْ نَبْضي،وضاعفتْ من شجاعتي

قصائدُك عكاكيزٌ لِهمّتي                                                                

وأغنيتك البائسة

تخلّصني نغماتُها من رَهْبتي

*****

بذراعِ أبياتِكَ يا بابلو ،أخي                                                               

ما زلتُ أنتظر.!

 

 كاتب، وباحث، ومترجم، وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية - الأميركية للآداب والعلوم - بوغوتا- (كولومبيا).

د. محمّد محمّد خطّابي

قصيدة" قاعة إنتظار" لخوسيفينا عطّار من ترجمة كاتب المقال عن اللغة الإسبانية 

 

Comments

Popular posts from this blog

أكثر من 5 آلاف إرهابي و6 تنظيمات دولية في سيناء أكثر من 5 آلاف إرهابي و6 تنظيمات دولية في سيناء

الجيش المصري     أكد اليوم السبت مصدر أمنى مسئول بوزارة الداخلية أن أجهزة الأمن الوطنى ومكافحة الإرهاب داخل سيناء ألقت القبض على 22 من المشتبه بهم بتورطهم فى أحداث الانفجارات الأخيرة داخل سيناء. كما أشار المصدر الأمنى إلى أن الأجهزة الأمنية عثرت على وثائق وأسلحة آلية ومواد متفجرة فى عمليات التفتيش والفحص، أدت إلى معلومات جديدة ستكشف كافة المتورطين فى عمليات التفجير وبخاصة مبنى المخابرات الحربية فى رفح. كما أكد المصدر الأمنى أن قوات الشرطة وعناصر القوات المسلحة ، تقوم بمواصلة مداهمة البؤر الإجرامية وأوكار الجماعات التكفيرية داخل سيناء، لضبط جميع العناصر وتصفية البؤر الإرهابية داخل سيناء بعد أن حققت متميزة مستمرة حتى الآن. أشار المصدر الأمني إلى أن عدد الإرهابيين في سيناء يقدر  بحوالي 5 آلاف شخص ينتمون إلى 6 تنظيمات متطرفة هي “التوحيد والجهاد”, و”الرايات السوداء”, و”التكفير والهجرة”, و”جند الإسلام”, و”شورى المجاهدين”, و”أنصار بيت المقدس”، وقد تبنى التنظيم الأخير محاولة اغتيال فاشلة بعبوة ناسفة استهدفت وزير الداخلية الاسبوعين ا...

صور || مشروع جديد في غزة بائعون الورد في غزة

صــور ... شباب يبيعون الورد في غزة , كمشروع للتغلب على البطالة في ظل إستمرار الحصار ضفاف البيلسان - غزة
    نشرت صحيفة “تايم” الأمريكية تقريرًا يصور عملية ذبح جندى سورى أسر فى وقت سابق من قبل عناصر تنظيم متشدد، حيث وصف مراسل الصحيفة “باتريك ويتى”، الذى قام بإعداد التقرير، أن الحرب الأهلية فى سوريا تضع كل يوم معايير جديدة للوحشية، وأن ما حدث هو عمل وحشى لم أراه إلا فى العصور الوسطى. وأكد “ويتى”: أن الأعمال الوحشية تزاد فى سوريا من كل الأطراف المتصارعة داخل الساحة السورية، وهو ليس مقتصر على طرف بعينه فترى العنف من قبل الجنود والمقاتلين الموالية لنظام الرئيس بشار الأسد، وهو ما يقابله وحشية مجموعات عديدة من المتمردين المسلحين والمتشددين الإسلاميين ذات الطبيعة الطائفية، يدعون أنهم يتصرفون دفاعا عن عقيدتهم. وأضاف المراسل “باتريك ويتى”، أن هذا الحادث وقع فى قرية “كفرغان” فى حلب بعد أن دعى عناصر القاعدة الأهالى لمشاهدة عملية ذبح لجندى سورى قد أسر فى وقت سابق خلال عملية عسكرية، حيث احتشد المواطنون بالمئات وهم سعداء ينتظرون ما سيجرى، بحسب وصفه. وأكمل “ويتى” قائلاً: رأيت مشهدا شديد القساوة، إنسان يعامل بطريقة لا إنسانية، أجبر على الجلوس على ركبتيه، كا...