Skip to main content

قراءة فى قصيدة الدكتورة أميرة عبد العزيز .. بقلم الناقد: عبد الحافظ متولي



قصيدة وقراءة


لا تحدثيني عن القاموسومساحة البوح والبحث عن الجمالقراءة فى قصيدة الدكتورة أميرة عبد العزيز


(النص)


ناشدتُ قلمي...
تَوقفْ قليلاً
نَتبضعُ من قاموسٍِ اللغةٍ
ونفتتحُ مَوْسِماً
يصيغُ الدُّررَ
سَخرَ مني...
أيُ لُغةٍ تقتنين ..؟
أنا أتحدثُ لُغةََ الأرواحْ
لنْ تََجديها في القاموس
ابحَثى عنْ مُروجِِ السحاب
و الحقي بي ..
سَتنزِلُ هُناكَ نجماتٌ تَملأ
الافاقَ حَمائمُ المُقَلِ
تسبحُ حورياتُ الجِنانِْ
تُغطي الضفافَ
بجَدائلَ ذَهبيةٍ ..
نََسَجتْها شمسُ الصبيحةِ
وظَفرتها شمسُ الغروبْ
استقبلي نَسائمَ الفجرِ
تَعزفُ سيمفونية ..
عصافيرَ الجنةِ
تارةً تُغردُ
وتارةً تمطرُ على ثَكْلاها
عليلاً عند الهجيرْ..
تعالي أُريكِ لُغةَ القلم
انظُري إلى النملةِ
تجمعُ الجيوشَ
لتَحميَ قصرَ الملكةِ
من الطُغاةِ الحُمرْ
انظري إناثَ النَحلِ
كيفَ عَقرْنَ أنفسهُنَ
وصِرْنَ عساكرَ لأم النحل
انظري الرمالَ الذهبيةَ
كيفَ تَنصهرُ
لتَصيرَ خلائلَ الشمسِ
انظري كيفَ ينثرُ قوسَ قزحٍ
ألوانَه على الربيع
انظري ..
كيفَ يَصيرُ سوادُ مدادي
أبيضَ في القلوب
فلا تُحدثيني عنْ القاموس .


(القراءة)


كثيرا ما يكون القلم أداة فى يد الكاتب للتعبير به عما يجيش فى صدره ولذلك فالقلم وسيط بين الذات وبين بياض الصفحة وفى الأدبيات الإنسانية اتخذ القلم صورا متعددة فهو التعبير عن القوة تارة وهو التعبير الفكر تارة لكن سجل دوره محصورة فى طونه وسيط مطيع وفى البلاغة العربية القديمة قالوا" يعجبنى قلمك" أى كتاباتك ولذلك تأسس دوره على هذا المفهوم الآلى
لكن النص هنا يدهشنا بأنسة القلم وجعله صاخب الرؤية الأجمل والأنقى فى تدفق روحى باحث عن الأفلاطونية والمثل العليا بانزياحات لغة تقف بين السهولة والعمق معا ولذلك جاء عنوان النص " لا تحدثينى عن القاموس: وهو عنوان غير مجزوء ومكتمل السياق والمعنى وهنا يشير العنوان بهذا التركيب الى حالة الثبات فى التعبير عن الروح المفعمة بالتدفق الانسانى فالنهى قاطع " لا تحدثينى" والمشار إليه متسع : عن القاموس" وبالتالى فان النص منذ عنوان يسعى لتأسيس لغة جديدة ومفارقة لكل الموجودات فى رحلة البحث عن القيم الجديدة بلغة جديدة واللغة هنا تعنى الحياة فقاموس الحياة الآنى مرفوض ومطرود من الذات الشفافة الباحثة عن معادل جديد فى تدفق شعرى ولذلك جاءت فاتحة النص هادئة الهدوء الذى يسبق العاصفة
" ناشدتُ قلمي...
تَوقفْ قليلاً
نَتبضعُ من قاموسٍِ اللغةٍ
ونفتتحُ مَوْسِماً
يصيغُ الدُّررَ
سَخرَ مني...
أيُ لُغةٍ تقتنين ..؟"
هنا يفتعل النص حوارا مع القلم ليمهد لأنسنة القلم من ناحية ويبرز الكشف العميق لرؤية الذات الشاعرة للكون والعالم من حولها متخذة من الموجودات الفاعلة فى حياتنا بؤر التصوير والتعبير فالقلم والقاموس واللغة هى موجدات الحياة أليست اللغة هى السلوك الاجتماعى الفاعل فى تأسيس الحياة ومعناها ؟ ولذلك يتراجع دور الذات الشاعرة أمام دور القلم حين تطلب منه أن يتبضع من القاموس ليخلق دررا ويلجا النص إلى حيلة عربية قديمة كانت تسمية حسن التخلص حين تقفز بالمعنى المركزى فى النص من حالة إلى حالة وحسن التخلص هنا يكمن فى قى سخرية السؤال" أى لغة تتقنين؟" وهنا تبدأ العاصفة الشعرية فى الكشف عن ما تحمله الروح من آلام تسعى لنفيها والدخول فى عالم جديد يحمل عفوية اللغة وطهرها كما يحمل براءة الحياة الجديدة
" أنا أتحدثُ لُغةََ الأرواحْ
لنْ تََجديها في القاموس
ابحَثى عنْ مُروجِِ السحاب
و الحقي بي ..
سَتنزِلُ هُناكَ نجماتٌ تَملأ
الافاقَ حَمائمُ المُقَلِ
تسبحُ حورياتُ الجِنانِْ
تُغطي الضفافَ
بجَدائلَ ذَهبيةٍ ..
نََسَجتْها شمسُ الصبيحةِ
وظَفرتها شمسُ الغروبْ
استقبلي نَسائمَ الفجرِ
تَعزفُ سيمفونية ..
عصافيرَ الجنةِ
تارةً تُغردُ
وتارةً تمطرُ على ثَكْلاها
عليلاً عند الهجيرْ.."
مثل هذا التدفق في التعامل مع الموجودات لا يقول غير صورة النهوض الرائع في مواجهة كل هذا القبح المسلح بالسواد فمنذ عبارة "انأ أتحدث لغة الأرواح " يضعنا النص فى حالة كشف بين عالمين : عالم مجلل بالسواد يعتمه النص وعالم مكلل بالطهر يبرزه النص ويسعى إليه ويأتى جالا الطهر فيه بعيدا عن قبح الأرض لذلك ابحثى عن مروج السحاب والحقى بى " وهنا تتدفق اللغة ويترى التصوير كأنه شلالات جمال مقرون بالسحر وينتقل بنا النص إلى عالم مغاير يؤكد على معنى السحر والجمال فالنجمات تملأ الأفق وحوريات الجنان تغطى الضفاف ونسائم الفجر تعزف سيمفونية وعصافير الجنة تغرد أنشودتها الأبدية
هذه المفردات تنحت صورة جميلة يلجا النص إليها ليضخم الحدث محاولا بذلك بين الفرق بين القبح الكائن والجمال المنشود مشيرا إلى أن عالمنا الذى نحياه مسلوب من كل مفردات الجمال وعلينا أن نسعى إلى عالم الجمال فى مفارقات واعية بالتعامل مع لا وعى اللغة الجمالى وفض بكارة لغة الشعر بحالة مغايرة
وطبيعي أن يأتي الإشراق ليقول الكلمة الفصل رغم الظاهر الذي يطرح اجتياحاً ودماراً وانكساراً في المساحة المنظورة على أرض الواقع
" تعالي أُريكِ لُغةَ القلم
انظُري إلى النملةِ
تجمعُ الجيوشَ
لتَحميَ قصرَ الملكةِ
من الطُغاةِ الحُمرْ
انظري إناثَ النَحلِ
كيفَ عَقرْنَ أنفسهُنَ
وصِرْنَ عساكرَ لأم النحل
انظري الرمالَ الذهبيةَ
كيفَ تَنصهرُ
لتَصيرَ خلائلَ الشمسِ
انظري كيفَ ينثرُ قوسَ قزحٍ
ألوانَه على الربيع
انظري ..
كيفَ يَصيرُ سوادُ مدادي
أبيضَ في القلوب
فلا تُحدثيني عنْ القاموس .
هنا يأتى فعل الأمر الحانى " انظرى" ليفتح مساحات التأمل فى الكون بما يشبه حالة الاسترجاع أو الفلاش بك فى بنية خطاب القصة القصيرة ولذلك جاء هذا المقطع بلا تلاعب في الألفاظ هنا، ولا تراجع عن تسمية الأشياء بأسمائها فالنملة تجمع الجيوش لتحمى قصر الملكة من الطغاة الحمر وإناث النحل عقرن أنفسهن ليكن عساكر لام النحل والرمال تنصهر لتصبح خلائل الشمس
وهنا يدخل النص منطقة الرمز ليوسع دائرة الرؤيا والاستنتاج خالطا بين المعنى الاجتماعى والسياسى واستدعاء التاريخ وتحريك الثابت فى الواعية الجمعية ليكد على روح اختلاط الأشياء وماهية اللغة المفتوحة على الكون وليختزل المسافة بين الجمال والقبح من يصنع القبح قادر على صناعة الجمال أيضا وهنا تبدو المفارقة مدهشة عبر خيط درامى شمل النص فى حالة إنسانية كونية تشير إلى أن العالم الموجود لا نهائى وإنما الروح قادرة على خلق الجمال بلغة جديدة لذلك يتكرر عنوان النص" لا تحدثنى عن لغة القاموس" خاتمة للقصيدة وهذا معتمد من الشاعرة الواعية للتأكيد على الدلالة المركزية ولتضع النص بين قوسين من الجمال كلاهما يشرق على الآخر فيضيئه وبخاصة أن النص تعامل مع زمن شعرى مفتوح على كل الأفضية فاصلا فى مهارة بين زمن الكتابة وزمن التلقى فهذا النص يمكن أن يقرأ فى أى زمن وكأنه التعبير عن الزمن الآني....
..

 الناقد: عبد الحافظ متولي - القاهرة

Comments