Skip to main content

إنها أمي .. بقلم الأديب والشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن



إنـــها أمـــي
  
كل أم علي وجه هذه الأرض.. حملت معاناة الأمومة.. وأوجاعها.. هي أم مثالية.. كل امرأة في هذه البلاد.. وفي أقصى بقاع المعمورة.. تلك التي شاب قلبها وشبابها وهي تحفر في الصخر وتنحت في الجبال العاتية.. هي أم مثالية..
كل مرأة وضعت قلبها بين يدي أبنائها.. ووضعت آمالها وأحلامها في تابوت مدفون بأعماق صدرها.. ووضعت طموحاتها في أعماق الماضي القديم.. هي أم مثالية.. كل امرأة فقدت أفراحها الأولى.. وسعت لتصنع لأبنائها أفراحاً جديدة.. وأغلقت كل الأبواب والنوافذ التي تحمل لها رياح الحاضر.. والحياة الرغيدة.. هي أم مثالية.
هي أيضاً أم مثالية.. تلك التي حملت أوجاعها وأحزانها.. وسعت لتحمل أطفالها فوق هام الكون دون شكوى ودون أنين.. لم تعرف الفرح ولا السعادة إلا والعمر قد أخذ منها كل صفاتها وبهاءها.
هي تلك الأم التي عرفت الفقد.. وذاقت مرارته.. فقد الزوج.. وفقد الابن.. وفقد الأخ.. وفقد الأخت.. لكنها مع ذلك واصلت رحلتها.. وهي تضع كل أوجاع الفقد تلك بين دفتي أضلاعها التي تحمل كل همومها.. وأجلت دموعها وأشجانها.. حتي يبلغ أطفالها عمر الفطام وحتي يبلغوا قمة الكمال التي كانت تتمناها لهم منذ نعومة أظفارهم.
هي تلك الأم التي لم تعرف في حياتها شيئا آخر غير التضحية والبذل والعطاء.. أعطت كل ما لديها.. وبذلت كل ما بوسعها.. ولم تنتظر الجزاء أو الثواب.. ولم تنتظر حتي كلمة شكر على ما أدته طوال حياتها الماضية.. هي أم أفنت كل شبابها.. وأفنت كل جهدها وطاقاتها.. لتصنع من أيتامها شيئا تسعد به الأمة.. ويسعد به الوطن.. وتسعد به الأجيال القادمة.
هي تلك المرأة التي عرفت مرارة الحرمان.. وطعنتها أسهم الجوع والبرد والحاجة والترمل.. ولم تحاول يوما أن تطرق أبواب الآخرين بحثا عن لقمة العيش.. وعن الدفء لأبنائها المعوزين.. وغذتهم بحبها وحنانها.. حتي عرفوا قيمة الحياة.. وقيمة الفرح.. وقيمة النعمة.. تلك المرأة التي فرضت على نفسها ستارا من الزهد والتقشف.. وأخرجت كل ما لديها من حب وعطاء.. لتروي به حاجة صغارها.. ولتكون لهم أما وأبا.. في زمن لم يكن فيه للمرأة أي وجود وأي قيمة في هذه البلاد.. ورغم ذلك فقد تمكنت بقوتها.. وقوة عزيمتها.. أن تشهد صعود هؤلاء الصغار علي أكتافها وحبها.. إلى الأعلى.. حيث شهدت تخرجهم.. وتفوقهم.. وتميزهم.
هي تلك المرأة التي فوجئت في لحظة من لحظات العمر.. وهي في أوج قوتها وشبابها.. بفقد الزوج.. وفقد الابن.. وفقد الأم والأب.. لكنها حملت كل ذلك في أعماقها.. وقطعت كل الأشواك التي نمت حولها وحول صغارها.. وأحالت عالم اليتم إلى مزيد من الحب والعطاء والأخوة الدائمة.
إنها امرأة لا توجد إلا في عالم الأساطير.. وفي قصص ألف ليلة وليلة.. تلك التي حملت عباءتها.. وحملت معها كل هموم الكون.. وكل أحزان العالم.. والتفت بكل أوجاع الحزن.. وأوجاع المرض.. ولم تبال إلا بأولئك الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة.. فألبستهم كل دروع الأحلام.. وزودتهم بطاقات الصبر والإيمان.. وعلمتهم كيف يقفون أمام جدار الصعاب.. وكيف يقهرون المستحيل.. وكيف يدارون قسوة الألم والفقد والحزن.
إنها تلك المرأة التي حاول الزمان أن يقهرها.. فقهرته.. وحاول الحزن أن يقضي عليها.. فأسرته.. وحاول الضياع أن يسلب منها صغارها فقضت عليه..
إنها امرأة استثنائية.. لم تولد إلا مرة واحدة.. لكنها عاشت كل الأزمان وكل الآلام.. وكل المواجع.. حتى لم يعد هناك من ألم جديد لم تعرفه.. ولم تضمه بين جنبيها.
ولأنها لم تحاول يوماً أن تقف أمام عدسات الكاميرات.. ولم تقابل أي مذيع أو صحفي ليكتب عنها وعن سيرتها.. فقد قررت أن أعرفكم بها.. وأن أنقل عنها تلك الصورة البسيطة مما قدمته وأعطته ووهبته.. لتعرفوا حقاً ما هي مواصفات الأم المثالية.. التي لا تنتظر أن تكرمها صحيفة.. أو جمعية.. أو حتي وطن.. فتكريمها نابع من سعادة أبنائها.. ووجودهم بجوارها في كل حين.. ولا تحاولوا أن تبحثوا عنها بين أرقام جينيس وفي الموسوعات العالمية.. رغم أنها تستحق الدخول فيها.. لأنها في دمنا.. وشرايننا.. وفي كل دفقة من عطائنا.. إنها أمي... 


الأديب والشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن 



البعنه == الجليل 
21/03/2017

Comments

Popular posts from this blog

ضبابٌ في فم الضباب .. بقلم الشاعر: أسامة محسن

ضبابٌ  في  فم  الضباب     أشْتبكُ مع الضباب يلفني سجن الهواء يسورني خوفي فعلى غفلةٍ فاقتْ من يأسها قدرتي على اليأس وفاقتْ طاقة الصمتِ ها أنا أتمالك رغبة الالتصاق بأنثى الفراغ بوحشيتها وقد انبلجتْ موجةٌ عاريةٌ تقلعُ الفستان عن زبدها وتبللُ قلمي بأصابع قدمي أغوتني بالمطر هكذا تراودني وأنا أحشو حذائي بألف مدينة من رماد وألف سرابٍ من جسور بلا مظلةٍ مغزولة من شعر أنثى  أو جلدِ حمامة منتحرة في الضباب ألمحُ دمعةً ضلتْ شغف أمي عن فلذة العنب في أرضها فينسلخُ وأنا أتذكرُ ضحكتها جلدي عن جلدِ الصقيع وتشهق أجنحتي تمحي الليل تلوّنني شفاهُ امرأةٍ تتركُ الروج قلادة ومشنقة على الجند و عليّ أنفاسها تهطلُ على جسدي الصغير وأنا عصفور جريح اتسخ منقاري بلوثة الطين لأن الأرض جائعة والقمح أمام السفارات بيننا الجغرافية وجوازا سفر عليهما رمز دولتين شجرةٌ ونسر وباقة من حكايات بيننا ثعابين نجاهد في تحرير أنيابها من عظمنا وأفاعٍ قاتلات قتلنا معظمها وبحثنا عن الباقيات لقبرهن وسمهن رغم ذلك لو أنني غيمة في العلالي السابحات أقطع طريق الإلوهية تحت الشمس أتنزه فوق الضباب جسدي معي وظلي على الأ...

فتاتي .. بقلم الشاعر: محمد أبو حسين

فـتــاتـي كتبتُ اسمكِ على ورقِ الوردِ وعطرتِ الليلِ بمذاقكِ الوجداني وأنسجتِ برموشِ عينيكِ سحركِ الفتانِ وأشعلتِ نارَالحبِ بهيجانِ الاصواتِ سأويكِ على صدرِ وسأسيرُ بمجدافِ على مرِ الزماني وصقصقِ صقصاقً وصهللِ صهلالاً على الترياقي وأقرعِ طبولَ القلبِ ومزمارِ الاحلامِ وأسكبِ الخمرِ من شفتيكِ حتىَ نعدلَ المزاجِ إنني أغفو على صوتِ أنينِ الحبِ بلحنِ صوتكِ يا اغلاَ من الروحِ انتِ زهرةً للبساتينِ وعطرهاَ الفتانِ الشاعر: محمد أبو حسين - فلسطين

الصراع .. بقلم الشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن

الصراع   صدع الفؤاد فلن أطيل وقوفي  وأحطم الأعصاب فوق الرصيف  وأحنط الأفكار بين الحروف  فغدي الربيع وان حواني خريفي  وطلول عمري في ثراها حياة  وجذور فكري في حشاها نواة  وشموع ليلي قد غذتها غداة  وصلاة فجري أي فجر صلاة  يا قلب ما برحت طعان الرزايا  وسهام الوفية تصيب الحنايا  ما همني فانا الأبي ولو أريقت دمايا  فغدي الجمال وان تشوه حسن وجهي المرايا  الشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن         البعنه / الجليل