Skip to main content

بلا وصايا





بلا وصايا










قرر أن يهاجر إلى بلاد الشمال، سار في أزقة مخيم الرمل حيث ترعرع، نظراته توحي بحنين ولوعة الفراق عن البيئة التي كانت تذكره دائماً بموطن الآباء والأجداد، اتجه إلى الربوة التي تشرف على البحر كعادته، احتل هيكله مساحة من الفراغ على قمّتها، وأطلق لبصره العنان، ليتم جولته الدائرية ببطء شديد. يلتقط خلالها مشاهد يستمتع بالنظر إليها كل يوم حين تحلق النوارس في السماء، تظلل البحر وتلقي نظرتها الأخيرة قبل وداعه إلى مواكب هجرانها،قادته جولته البصرية إلى مرفأ البحر وسار على الإفريز حتّى انتهى عند خط الأفق الفاصل بين الماء والسماء، وصعد نحو الأعلى قليلاً وفجأة تخاذل أمام القرص البرتقالي الملتهب.
وطئ الأرض جسده باسترخاء كامل وأطبقت جفونه  على عينيه وانقض عليه سلطان النوم واستخلصه اليقظة. غاص القرص  في البحر وغشي الظلام فضاء الكون، خرجت عروس البحر، انتبه إلى حفيف جسدها نظر حوله فلم يرها.
تملّكه الخوف، "ليت الشمس لم تغب" أسّرها في نفسه.
عرفت عروس البحر ما يدور برأسه، وأجابته بصوت هادئ رقيق:
- أنا عروس البحر، أنا حوريّة الكنعانيّة،أنظر إليّ، إنني جميلة أنا باهرة الجمال.
ردّ عليها بحسرة وتمّني:"إنني أحسك بخلايا مخّي  ولكن… آه لو أراك حقيقة ويقظة وألمسك بيدي...
ابتسمت وفردت شعرها لنسمات البحر تعبث بها ثم أدارت وجهها صوب السواحل الجنوبية،دمعت عيناها وأطلقت العنان لذاكرتها:
-كان حبيبي "كارت" هناك يقيم في قصر يطل على أمواج البحر، ويشرف على أساطيله التجارية، يدير حركة المدينة السعيدة، ويطعم كل الناس من ثمار أشجارها الوفيرة، وفجأة هبت عواصف تحمل معها مراكب ذات صواري متعددة الألوان، على متنها غرباء يجمعهم الحقد الوحشي، ولأن حبيبي يحب السلام استباحوا المدينة وقتلوه.
-عرفته وعرفت مدينته، إنه الملك الذي كان يحكم شعباً طيباً، وبنى حضارة امتدت على مدى الزمان إنها مدينتي، مدينة أبي وجدّي .
 مسحت دموعها وضحكت بعذوبة صافية وقالت بلهجة أمر صارمة:
-اسمع واتبع تنل "واستطردت بجبروت وكبرياء" أنا ابنة ملك البحار كلها ومهري زيت من الكافور والعنبر أدلك به جسدي الغض الجميل، تجده في أعماق بحر عكّا،وحناء شديد الخضرة أحنّي به يدي كما بقايا الحناء التي عليها منذ رحل، أشجاره على قمة جبل عيبال، ولن تحصل عليه إلا بمنجل.
أجابها مرتبكاً لاهثاً: غداً سأهاجر وأحصل عليهما وأتزوجك.
ضحكت ساخرة ثمّ عادت إلى الجد قائلة:
- إياك والعجلة، فأنا لا أقنع بمنجل صدئ، وحناء عفن وزيت نتن، أريد أن أتزين لتفوح منّي رائحة المسك والطيب، وأخضب بالحناء يدي وأنتظر قدوم حبيبي.
استيقظ على حفيف صمت الظلام، فرك عينيه ونفض رأسه من بقايا طيف عروس البحر، انتظر قدوم الفجر ليبحر في مركب الهجران، كمهاجر يركب موج الحلم بقلبه النازف وعيون غاب عنها ألقها وبريقها.
سار كصدى همسة على افريز الرحيل، وأشعل لفافة الوداع، فجأة توقف عند الحد الفاصل ما بين اليابسة والماء، ذوى ما بين عينيه بعدما أدرك أن حيفا لا يمكن الرسو على شواطئها إذا أبحر على متن مراكب الهجرة شمالاً، ضمّ قبضتيه بعصبية، وضرب الأرض بقدمه بقوّة، استدار، صرخ بصوت تردد صداه ملء البحر:
- سأخوض البحر بمركب كنعاني صغير وأمضي إلى حيث كان القسّام، وأغوص إلى الأعماق، لأستخلص ذاك الوقود وسأحصد بالظلمة على شعاع وهّاج، أجل سأدفع المهر وأتزوج في قلعة الجزّار.
قبل أن يبحر في مركب الهجران التهم الموج  وصيّته الأخيرة.


أحمد جميل الحسن

* مقرر جمعية القصة في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين بدمشق. 

Comments

Popular posts from this blog

ضبابٌ في فم الضباب .. بقلم الشاعر: أسامة محسن

ضبابٌ  في  فم  الضباب     أشْتبكُ مع الضباب يلفني سجن الهواء يسورني خوفي فعلى غفلةٍ فاقتْ من يأسها قدرتي على اليأس وفاقتْ طاقة الصمتِ ها أنا أتمالك رغبة الالتصاق بأنثى الفراغ بوحشيتها وقد انبلجتْ موجةٌ عاريةٌ تقلعُ الفستان عن زبدها وتبللُ قلمي بأصابع قدمي أغوتني بالمطر هكذا تراودني وأنا أحشو حذائي بألف مدينة من رماد وألف سرابٍ من جسور بلا مظلةٍ مغزولة من شعر أنثى  أو جلدِ حمامة منتحرة في الضباب ألمحُ دمعةً ضلتْ شغف أمي عن فلذة العنب في أرضها فينسلخُ وأنا أتذكرُ ضحكتها جلدي عن جلدِ الصقيع وتشهق أجنحتي تمحي الليل تلوّنني شفاهُ امرأةٍ تتركُ الروج قلادة ومشنقة على الجند و عليّ أنفاسها تهطلُ على جسدي الصغير وأنا عصفور جريح اتسخ منقاري بلوثة الطين لأن الأرض جائعة والقمح أمام السفارات بيننا الجغرافية وجوازا سفر عليهما رمز دولتين شجرةٌ ونسر وباقة من حكايات بيننا ثعابين نجاهد في تحرير أنيابها من عظمنا وأفاعٍ قاتلات قتلنا معظمها وبحثنا عن الباقيات لقبرهن وسمهن رغم ذلك لو أنني غيمة في العلالي السابحات أقطع طريق الإلوهية تحت الشمس أتنزه فوق الضباب جسدي معي وظلي على الأ...

فتاتي .. بقلم الشاعر: محمد أبو حسين

فـتــاتـي كتبتُ اسمكِ على ورقِ الوردِ وعطرتِ الليلِ بمذاقكِ الوجداني وأنسجتِ برموشِ عينيكِ سحركِ الفتانِ وأشعلتِ نارَالحبِ بهيجانِ الاصواتِ سأويكِ على صدرِ وسأسيرُ بمجدافِ على مرِ الزماني وصقصقِ صقصاقً وصهللِ صهلالاً على الترياقي وأقرعِ طبولَ القلبِ ومزمارِ الاحلامِ وأسكبِ الخمرِ من شفتيكِ حتىَ نعدلَ المزاجِ إنني أغفو على صوتِ أنينِ الحبِ بلحنِ صوتكِ يا اغلاَ من الروحِ انتِ زهرةً للبساتينِ وعطرهاَ الفتانِ الشاعر: محمد أبو حسين - فلسطين

الصراع .. بقلم الشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن

الصراع   صدع الفؤاد فلن أطيل وقوفي  وأحطم الأعصاب فوق الرصيف  وأحنط الأفكار بين الحروف  فغدي الربيع وان حواني خريفي  وطلول عمري في ثراها حياة  وجذور فكري في حشاها نواة  وشموع ليلي قد غذتها غداة  وصلاة فجري أي فجر صلاة  يا قلب ما برحت طعان الرزايا  وسهام الوفية تصيب الحنايا  ما همني فانا الأبي ولو أريقت دمايا  فغدي الجمال وان تشوه حسن وجهي المرايا  الشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن         البعنه / الجليل