Skip to main content

معرض "غاليري بيير ألين في مونت مارتر" باريس.. بقلم طلال مرتضى



عبر سلطة اللون..جمانة أبو مطر تكسر رتم الحصار لتحرر الحب!!..














           النمسا ــــ طلال مرتضى


ثمة سؤال مباغت يداهم مخيلة المتلقي/ القارئ دون سابق إنذار, ينشأ من فطرية مكتسبة لدى الأخير, عمادها أن جل الأشياء في الكون تقوم على آلية رياضية بحتة وبمعادلات مدروسة تفضي إلى نتائج مقبولة ومتوازنة في حال اكتملت علائقها وتطابقت ثيماتها, بمعنى بديهي وهو الوقوف على بعض المفارقات التي لا تقبلها ذائقة العادة اليومية والتي تنحو بالقارئ إلى إطلاقها دون تكلف أو تخفف..
ما معنى أن يكتب الشاعر قصيدة حزينة بمفردات فرح وابتهاج؟!.
كذلك السؤال ذاته برسم الفنان التشكيلي الذي اشتغل فكرة لوحته الحاملة لبعد موجع ومتخم بالشوفونية بألوان زاهية وغاية الصفاء؟!..
ألسنا أمام مفارقات تستدعي الوقوف والتأمل, وهنا لا بد من استنتاج بعض التأويلات, ولربما يفضي الأمر إلى اتهام المبدع ذاته, بأنه افتعل الأمر لمناكفة القاريء العليم ــــ الناقد ــــ لغاية إرباكه أو كي يمرر رسالته الخاصة بأنه متمكن من تجيير اللون وليّ ذراع اللغة ليصل إلى مبتغاه, وبالفعل هذا ما يتلمسه القارئ المتلقي من حالة التناقص في كثير من الأحيان بين المعنون العتبة الحامل لأي عمل إبداعي وبين المنتج ذاته, إسقاطاً من باب التجريب والمقاربة, الافتعال الأنيق للتشكيلية اللبنانية: جمانة أبو مطر من خلال مشاركتها في المعرض العالمي الذي تحتفي به مدينة الضوء باريس, في "غالري بيير ألين في مونت مارتر" اعتباراً من يوم الرابع عشر من أبريل الجاري 2016, وذلك من خلال عملها الفني "مدينتي خلف الأسلاك" أكريليك على الكنفا, حيث الصعقة الكهربائية المنبهة, عندما يجد الرائي للعمل أنه في حيرة من أمره, بحيث أن المعنون العتبة "مدينتي خلق الأسلاك" وسطوع اللون الممتد بسلطة الشمس هو كسر للسائد اليومي المعاش, بعيد عن حالة الأسر التي تخضع لها المدينة وراء الأسلاك, فإن الرائي يتلمس حالة الحراك الكثيفة عالم حقيقي مكتظ بكل قيمه وقيمته الدالة, ما يستدعي هذا الأمر أن ينسى أو يتناسى المتلقي لوهلة من الزمن أن المدينة أسيرة, بل يقف مأخوذاً بالهالة العمرانية التباينات الظاهرة بين كل بقعة وأخرى, وكأنه في مشهدية بانورامية لمدينة بيروت التي تطل على بحرها أو كمدينة بوذية شيدت على سفح جبل تعتد بمعابدها واختلاف مناهجها, كل هذا تلتقطه مدارك العين وفقاً لتراكمات يعكسها المتلقي فور مواجهة اللوحة, لكن الفكرة لم تتوقف هنا بل تنحو بنا نحو أقصية نائية أبعد عمقاً ودلالة, وهي أن الفنانة أبو مطر وبعيداً عن مواضع الأسلاك وعزل مدينتها, بدأت بتشييد مدينتها بانورامياً على عدة طبقات متدرجة بسلطة الألوان والدلالات التي تضمر كلٌ منها حكاية تفارق أختها..
وهنا السؤال يعود من جديد, أليس الجميع في أسر, فلماذا هذه الفوارق بين من يقطنون في المدرجات السفلية والعلوية, حيث نشهد حراكاً نشطاً في الأسفل قوامه وجوه متعبة تدأب للأحسن من خلال تطلعها إلى سكان المدارك العليا, على عكس الوجوه التي تركتها الفنانة في الأعلى والتي تشي رماديتها إلى الانتهازية والشوفينية الفارغة والتي تمثلت بتشريع أبواب ونوافذ البيوت نحو إسقاطات خيوط الشمس أو استقطابها بعواكس زجاجية لتأصيل وجودها على حساب اللون الأزرق و التي تعمدت الفنانة إشاعتها في مطارح كثيرة حد الاشتباك مع السياج الحاجز, كدلالة موحية لحالة صفاء يعيشها المستضعفون..
جمانة أبو مطر ذهبت بعيداً بعيداً في هذا العمل, والتي يمكن إسقاط حالتها على وضع الفراغ الذي يعيشه بلدها "لبنان" والعزلة التي وصل إليها حد القطيعة حتى بين أبنائه, ولربما تتخطى بمشروعها حدود وطنها الكبير لتشي إلى "س" بالقول: إنكم تخنقون الجمال, وتغتالون الحب, عبر تعويمكم للأفكار السوداوية التي لا تشي نواياها بحوامل تمت للإنسانية بصلة.        

* مدير مكتب مجلة السفير في النمسا

Comments

Popular posts from this blog

ضبابٌ في فم الضباب .. بقلم الشاعر: أسامة محسن

ضبابٌ  في  فم  الضباب     أشْتبكُ مع الضباب يلفني سجن الهواء يسورني خوفي فعلى غفلةٍ فاقتْ من يأسها قدرتي على اليأس وفاقتْ طاقة الصمتِ ها أنا أتمالك رغبة الالتصاق بأنثى الفراغ بوحشيتها وقد انبلجتْ موجةٌ عاريةٌ تقلعُ الفستان عن زبدها وتبللُ قلمي بأصابع قدمي أغوتني بالمطر هكذا تراودني وأنا أحشو حذائي بألف مدينة من رماد وألف سرابٍ من جسور بلا مظلةٍ مغزولة من شعر أنثى  أو جلدِ حمامة منتحرة في الضباب ألمحُ دمعةً ضلتْ شغف أمي عن فلذة العنب في أرضها فينسلخُ وأنا أتذكرُ ضحكتها جلدي عن جلدِ الصقيع وتشهق أجنحتي تمحي الليل تلوّنني شفاهُ امرأةٍ تتركُ الروج قلادة ومشنقة على الجند و عليّ أنفاسها تهطلُ على جسدي الصغير وأنا عصفور جريح اتسخ منقاري بلوثة الطين لأن الأرض جائعة والقمح أمام السفارات بيننا الجغرافية وجوازا سفر عليهما رمز دولتين شجرةٌ ونسر وباقة من حكايات بيننا ثعابين نجاهد في تحرير أنيابها من عظمنا وأفاعٍ قاتلات قتلنا معظمها وبحثنا عن الباقيات لقبرهن وسمهن رغم ذلك لو أنني غيمة في العلالي السابحات أقطع طريق الإلوهية تحت الشمس أتنزه فوق الضباب جسدي معي وظلي على الأ...

فتاتي .. بقلم الشاعر: محمد أبو حسين

فـتــاتـي كتبتُ اسمكِ على ورقِ الوردِ وعطرتِ الليلِ بمذاقكِ الوجداني وأنسجتِ برموشِ عينيكِ سحركِ الفتانِ وأشعلتِ نارَالحبِ بهيجانِ الاصواتِ سأويكِ على صدرِ وسأسيرُ بمجدافِ على مرِ الزماني وصقصقِ صقصاقً وصهللِ صهلالاً على الترياقي وأقرعِ طبولَ القلبِ ومزمارِ الاحلامِ وأسكبِ الخمرِ من شفتيكِ حتىَ نعدلَ المزاجِ إنني أغفو على صوتِ أنينِ الحبِ بلحنِ صوتكِ يا اغلاَ من الروحِ انتِ زهرةً للبساتينِ وعطرهاَ الفتانِ الشاعر: محمد أبو حسين - فلسطين

الصراع .. بقلم الشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن

الصراع   صدع الفؤاد فلن أطيل وقوفي  وأحطم الأعصاب فوق الرصيف  وأحنط الأفكار بين الحروف  فغدي الربيع وان حواني خريفي  وطلول عمري في ثراها حياة  وجذور فكري في حشاها نواة  وشموع ليلي قد غذتها غداة  وصلاة فجري أي فجر صلاة  يا قلب ما برحت طعان الرزايا  وسهام الوفية تصيب الحنايا  ما همني فانا الأبي ولو أريقت دمايا  فغدي الجمال وان تشوه حسن وجهي المرايا  الشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن         البعنه / الجليل