Skip to main content

الكتابُ نعمَ الذّخر ونعمَ الجليسُ .. بقلم: طه دخل الله عبد الرحمن







الكتابُ نعمَ الذّخر ونعمَ الجليسُ 





كتب الجاحظ في تعريف الكتاب فقال : (الكتابُ نعمَ الذخرُ والعقدة.. ونعمَ الجليسُ والعُدة. ونعم المشتغلُ والحرفةْ.. ونعمَ الأنيسُ لساعةِ الوحدة. ونعمَ القرينُ والدخيلُ والوزيرُ والنزيل).  لا شيء كالكتاب..هادئًا تحادثه ويحادثك..تفهمه ويفهمك..يتقبل انتقاداتك بصدر رحب.ويفسح لك صفحة بيضاء في بدايته لتعبّر عن انطباعك الأول، ولا يعترض على تسرعك. ويعطيك كل الهوامش لتقيم فيها ثوراتك وحروبك، ومعاهدات الصلح والهدنة.ويهبك صفحته الأخيرة بيضاء أيضًا، وكأنه يقول: قلبي يتسع لكلماتك، مهما كنت قاسيًا، سأحترم رأيك ما دمت محقًا، وإن أخطأت، فلي شرف المحاولة معك.لا أحد كالكتاب، يربّت على كتفك عند المحن، يهبك أغلى ما لديه بوضوح، يُبين لك عن مشروع حياته دون مواربة، ولا يخجل من قناعاته، وهو يعرف ضمنًا أن علاقتك به تؤسس قناعاتك.يُتيح لك حرية الدخول والخروج والإقامة أو الهجرة إلى عالم آخر. يودعك بحنان ويقول لك باسمًا:فتّش لك عن وطن.وإن عجزت، سأكون لك وطنًا إن أحببت!على مكتبي اكتظت المساحات الفارغة تماما بوريقات متناثرة، كتب ضخمة متنوعة، وبين يدي أحدهم، مكثت منكفئا على السطور ساعات كثيرة، ساعات طويلة حتى أن الكلمات راحت تتماوج والأحرف تتداخل، وأفقد شيئا فشيئا الاتصال بالمعنى. وكأنه كتب لا معنى، بلا أي معنى. رحل إلى أذنيّ صوت مداعبة زخات المطر لزجاج النافذة الشفاف بعدة طرقات لطيفة، جذبتني من علّتي الكلمات والحروف، ونزعت نفسي من بين الكتب، جعلتني على طريق النهوض، خلدت إليها أرنو من النافذة.بدا الزجاج وكأن عينيه قد انفتحت وتقاطر منها الدمع، جففت دمعه قليلاً بيدي، حدّقت في الأفق البعيد عبر شفافية الزجاج الدامع، لم أجد ما يلفت النظر على غير العادة؛ نفس التلاتل الخضراء البعيدة وذرى الأشجار المتلامسة مع الأفق ولا شيء جديد اللهم إلا سحابة بيضاء تتوسط الزرقة، وعصفور يهز ذيله الملون تحت زخات المطر. تركت لعينيّ الأفق البعيد تتدبر معانيه، وقد هدأت الزخات الآن، بزغت الشمس وأخذ العصفور يغرد، يخفق بجناحيه ضاربا الهواء، سعى لي ينقر بمنقاره الصغير على الزجاج الشفاف، اقتربت منه ومن الشفاف عندئذ طار وترك المشهد يملأ نفسي، عدت متحمساً إلى أن ألتقي الكتب مرة أخرى، وكأني ألتقيها لأول مرة، وبعد.. أصبحت الكلمات واضحة اوضح ما تكون، والحروف ثابتة جلية، وعاد المعنى يتصل بي وأتصل به. 


طه دخل الله عبد الرحمن - البعنه / الجليل

Comments

Popular posts from this blog

ضبابٌ في فم الضباب .. بقلم الشاعر: أسامة محسن

ضبابٌ  في  فم  الضباب     أشْتبكُ مع الضباب يلفني سجن الهواء يسورني خوفي فعلى غفلةٍ فاقتْ من يأسها قدرتي على اليأس وفاقتْ طاقة الصمتِ ها أنا أتمالك رغبة الالتصاق بأنثى الفراغ بوحشيتها وقد انبلجتْ موجةٌ عاريةٌ تقلعُ الفستان عن زبدها وتبللُ قلمي بأصابع قدمي أغوتني بالمطر هكذا تراودني وأنا أحشو حذائي بألف مدينة من رماد وألف سرابٍ من جسور بلا مظلةٍ مغزولة من شعر أنثى  أو جلدِ حمامة منتحرة في الضباب ألمحُ دمعةً ضلتْ شغف أمي عن فلذة العنب في أرضها فينسلخُ وأنا أتذكرُ ضحكتها جلدي عن جلدِ الصقيع وتشهق أجنحتي تمحي الليل تلوّنني شفاهُ امرأةٍ تتركُ الروج قلادة ومشنقة على الجند و عليّ أنفاسها تهطلُ على جسدي الصغير وأنا عصفور جريح اتسخ منقاري بلوثة الطين لأن الأرض جائعة والقمح أمام السفارات بيننا الجغرافية وجوازا سفر عليهما رمز دولتين شجرةٌ ونسر وباقة من حكايات بيننا ثعابين نجاهد في تحرير أنيابها من عظمنا وأفاعٍ قاتلات قتلنا معظمها وبحثنا عن الباقيات لقبرهن وسمهن رغم ذلك لو أنني غيمة في العلالي السابحات أقطع طريق الإلوهية تحت الشمس أتنزه فوق الضباب جسدي معي وظلي على الأ...

فتاتي .. بقلم الشاعر: محمد أبو حسين

فـتــاتـي كتبتُ اسمكِ على ورقِ الوردِ وعطرتِ الليلِ بمذاقكِ الوجداني وأنسجتِ برموشِ عينيكِ سحركِ الفتانِ وأشعلتِ نارَالحبِ بهيجانِ الاصواتِ سأويكِ على صدرِ وسأسيرُ بمجدافِ على مرِ الزماني وصقصقِ صقصاقً وصهللِ صهلالاً على الترياقي وأقرعِ طبولَ القلبِ ومزمارِ الاحلامِ وأسكبِ الخمرِ من شفتيكِ حتىَ نعدلَ المزاجِ إنني أغفو على صوتِ أنينِ الحبِ بلحنِ صوتكِ يا اغلاَ من الروحِ انتِ زهرةً للبساتينِ وعطرهاَ الفتانِ الشاعر: محمد أبو حسين - فلسطين

الصراع .. بقلم الشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن

الصراع   صدع الفؤاد فلن أطيل وقوفي  وأحطم الأعصاب فوق الرصيف  وأحنط الأفكار بين الحروف  فغدي الربيع وان حواني خريفي  وطلول عمري في ثراها حياة  وجذور فكري في حشاها نواة  وشموع ليلي قد غذتها غداة  وصلاة فجري أي فجر صلاة  يا قلب ما برحت طعان الرزايا  وسهام الوفية تصيب الحنايا  ما همني فانا الأبي ولو أريقت دمايا  فغدي الجمال وان تشوه حسن وجهي المرايا  الشاعر: طه دخل الله عبد الرحمن         البعنه / الجليل